الجصاص
154
الفصول في الأصول
عندك ( 1 ) : أنه سماع ، كذلك يجوز : أن يقبل المرسل ، وإن لم يثبت : أنه عدل عندي ، فاكتفى تعديله إياه بإرساله عنه . وأيضا : فإن المفتى إذا قال : للمستفتي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك بكذا . أو قال فيه : كذا ، لزمه قبول خبره ، مع حذف سنده ، وهذا أحد ما يحتج به في إثبات المسند ، فهو حجة في إثبات المرسل أيضا . وزعم بعض مخالفينا : أنه إنما روى التابعون المرسل ليطلب في المسند . فيقال له : معنى قولك ليطلب في المسند ، كأنه لم يكن له عندهم إسناد ، فإن كنت تعني ذلك فلا يكون كذلك إلا وهم يسمعون ، وهذا يوجب أن يحصرو ( 2 ) المراسيل لينظر هل توجد في المسند ، وهذا لا يجوزه أحد عليهم ، لأنهم لو كانوا كذلك - لما كانوا أهلا لقبول رواياتهم أصلا : المسند والمرسل جميعا . وإن كانوا قد سمعوه - فما الذي منعهم من إظهار سنده وهو موجود عندهم ؟ ! فعلمت أن هذا الفصل من كلامه فارغ لا معنى تحته . وعلى أنه لو جاز أن يقال هذا في المرسل - لجاز لمبطلي أخبار الآحاد أن يقولوا : إن الصحابة والتابعين إنما رووا الآحاد ليطلب في التواتر ، والاثنين والأربعة . واحتج بعضهم : بأن المرسل لو كان مقبولا لما كان لذكر الإسناد وجه . فيقال : يقول لك مبطلو خبر الواحد : لو كان خبر الواحد مقبولا لما كان لسماعه من وجهين ، وثلاثة ، وأربعة ، معنى . فلما جاز أن يطلب الأثر من وجوه مختلفة ، ويروى من جهات كثيرة ، ولم ينف ذلك جواز الاقتصار على الواحد ، كذلك يروى الحديث ، فيذكر إسناده تارة ، ولا يدل : على أن المرسل غير مقبول . فإن قال : إنما أرسل التابعون الأخبار إعلاما منهم لسامعيها : أن المحذوف اسمه في السند ليس ممن يحمل عنه العلم . قيل له : قد أخبروهم عن أنفسهم بخلاف ذلك . فإن صدقتهم كنت كاذبا فيما حكيت عنهم ، وإن أكذبتهم فلا تقبل رواياتهم ، لا مرسلا ولا مسندا . وأيضا : فما الذي حملهم : على أن يرووا ما لا يجوز قبوله ، ثم يكتموا إسناده . فيعرفوا